محمود توفيق محمد سعد
211
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
المعلم الرابع . براعة الاستهلال وعلاقته بمقصود السورة لكلّ سورة من سور القرآن الكريم ولا سيّما الطّول والمئين مفتتح من الآي يكون استهلالا بديعا مشيرا إلى جوهر المعنى الكليّ الذي يقوم في السورة . وإذا ما كنا قد رأيناه يؤول البسملة بما يتناسب مع مقصود السورة إشارة إلى أنّ في البسملة براعة استهلال ، مثلما يرى في اسم السورة براعة استهلالها بمعناها الكلى ومقصودها الأعظم على نحو ما سبقت الإشارة إليه ، فإنّ من فوق هذا استهلال الآيات الأول من السورة بمعناها ، فيكون في كلّ سورة ما يشير إلى معناها الكلي : اسمها وبسملتها والآية أو الآيات الأول منها . والغالب على البقاعيّ ان لا يعيّن لنا مطلع السورة واستهلالها ، ولكنّه يلمح إلى ذلك في أثناء تأويله ، وكذلك قد يفهم التعيين من موضع ذكره ما ينقله في مفتتح كلّ سورة من كلام " أبي جعفر بن الزبير " في تناسب السور من كتابه " البرهان " ويزداد الأمر وضوحا في ختام تأويله السورة حين يردّ مقطع السورة على مطلعا : في سورة " البقرة " يكون مطلعها من أولها إلى قوله عزّ وجلّ : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( البقرة : 5 ) وما بعده من ذكر الذين كفروا ، والمنافقين استكمال للاستهلال ، ليبدأ موضوع السورة بقوله سبحانه وتعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( البقرة : 21 ) وهذا المطلع فيه استهلال بمقصود السورة الأعظم : إقامة الدليل على أنّ الكتاب هدى ليتبع في كلّ ما قال ، وأعظم ما يهدي إليه الإيمان بالغيب " وهذا ما ركز عليه المطلع كما لا يخفي ، فقد صرح بجعل قاعدة وأصل صفات المتقين الذين كان الكتاب هدى لهم إنّما هو الإيمان بالغيب ، وجعل رأس صفاتهم في الآية الأولى من وصف المتقين : ومما رزقناهم ينفقون ، وجعل رأس صفاتهم في الآية الثانية من وصف المتقين أنّهم بالآخرة هم يوقنون .